وبعد وقوع الصلح بين الأهالي والحكومة العثمانية قررت الحكومة فرض غرامة على البلدة . وهي ان تدفع الكسبة عن كل دكان في كل شهر ـ ما يساوي (12) آنه الى مدة محدودة من السنين وبعد انتهاء المدة استمرت الحكومة على استيفاء تلك الضريبة ، فامتنع الكسبة واكثرهم ايرانيون عن الدفع . وقد رفعوا شكوى فلم تسمع لهم شكاية . فالتجأوا الى التحصن بالسفارة الانكليزية التي في كربلاء . ونصبوا الحيام حولها واستظلوا بها . وكلما نصحتهم الحكومة والعلماء والاشراف لم يقبلوا فصممت الحكومة على تفريقهم بالقوة وكان المتصرف يومئذ رشيد الزهاوي . وفي ليلة من اخريات شهر رمضان سنة 1324 أخطرهم أول الليل فلم يتفرقوا وبينما هم نائمون في خسامهم أمر الزهاوي الشرطة أن يضربوهم بالرصاص قبل الفجر ، فضربوهم ، واصيب من الايرانيين حوالي
| كربلاء طلت الثريا شرفا | وبعلياك السماك اعترفا | |
| منذ غابت فيك اقمار الهدى | اورثت في كل قاب اسفا | |
| اظلم الدنيا على ارجائها | حيث فيها بر ثم خسفا | |
| بقى الظلمة حتى انكشفت | بقدوم الحبر كهف الضعفا | |
| حضرت الوالي بامر من به | قام حصن الدين والامر صفا | |
| فخر هذا العصر سلطان السما | وهو ذا عبد الحميد ذو الوفا | |
| رفع الله لواء نصره | اذ به ايد شرع المصطفى | |
| اشرق الدنيا به مذ قدما | مع شمس اورثته الشرفا | |
| كشفت كل دجى كان بها | وبمرآها الظلام انكشفا | |
| قيل ماذا النور قلت : ارخوا | هاكموا شعرة وجه المصطفى |
| بعهد بادشاه عبد الحميد آن اختر | درخشان شد بكيتي افتابي تازة ازخاور | |
| هما يون مويه برنور حبيب الله شد ظاهر | زنورش بيه توي امد شعاع نير أكبر | |
| بندشان يسته منزلكه اين نور رباني | مكر انكس كه بيغمبر از بداو زبغمبر | |
| فرستاد ان شه غازي بسوي كربلا انمو | بمراه همايون والي بغداد نيكوفر | |
| بتعظيمش خلائق جمله استقبال كردندي | بشد بر قلب شكاك منافق مويه جن خنجر | |
| كجا شك ميتوان كردن دراين مطلب | كه اثباتش هو يدا كردد ان تاريخ سالش مو بيغمبر |
| بسي شايشتة باشد بادشاه را بعد از اين احسان | براي موي بيغمبر نكيرد زين بلد عسكر |
وها نحن نصف للقراء ما في جامع الحسين (ع) من المساجد العجيبة الرائقة البديعة الصنع الفائقة الحسن ومن الابنية الضخمة والتزيينات الفاخرة التي هي من أفخر ما يجود به تقي الشيعة وتدينهم وحبهم لآل البيت مستغنين به عن وصف جامع العباس(1) (ع) لقرب المشابهة بين
وهو على شكل مستطيل طوله قرابة سبعين مترا في عرض يقارب (55) مترا وللمسجد (7) أبواب ضخمة جميلة الوضع وعلى كل باب طاق مرتفع بالحجر المعقود بالحجر القاشاني .
وكل باب ينتهي بك الى حي من أحياء المدينة . وفناء المسجد كله فضاء واسع فسيح الارجاء مفروشة أرضه بالرخام الابيض الناصع وكذلك جدرانه . فان وجه أسفله منشئ بالرخام الى طول مترين وما فوق مبني بالقاشاني الجميل القطع والنحت . ويحيط بفناء الصحن جدار يحصنه قد اقيم عليه كلفتان .
وفي الطبقة السفلى قرابة (65) غرفة جملية أمام كل غرفة ايوان ذو سقف معقود بالقاشاني .
وفي وسط فناء الصحن الروضة المقدسة وهو من اعجب المباني واتقنها وابدعها شكلا واوفرها حظا بالمحاسن .
أخذت من كل بديعة بطرف يدخل اليها من عدة أبواب لا مجال لذكرها . واشهر أبوابها باب القبلة ويطلق لفظ باب القبلة على باب الصحن الشريف ، اما باب الروضة يطلق عليها باب ايوان الذهب . وهو من الفضة الفنية الصياغة وفي جوانبه سهوات محكمة البناء بديعة الشكل على هيئة التجاريب مرصعة بقطع من المرايا تأخذ بمجامع القلوب .
امامه صفه مفروشة أرضها بالرخام ، وكذلك جدارها الادنى فانه
لم أعرف في أي تاريخ كان قدوم هذا الكاتب (2) الذي وصف ما شاهده اذ ليس الأمر اليوم كما ذكر . وذلك منشأ بالذهب الوهاج فهي تتلألأ نورا وتلمع لمعان البرق يحار بصر متأملها في محاسنها ، ويقصر لسان رائيها عن تمثيلها .
ومام زادها بهجة وزخرفة وجود الجواهر النفيسة وقناديل الذهب والفضة وغيرذلك من المعلقات الغالية الثمن على القبر الشريف التي أهداها اليه ملوك الفرس وسلاطين الهند في عصور مختلفة ما يعجز قلم البليغ من وصفها والاحاطة بكل ما هنالك من نفائس المجوهرات ونوادر الآثار .
وفي الزواية الجنوبية من الحرم قبر الشهداء (ع) وهم ملحدون في ضريح واحد وهذا الضريح وضع علامة لمكان قبورهم وهم في التربة التي فيها قبر الحسين (ع) .
وجه تلك الزواية مشبك من الفضة الناصعة طوله أربعة أمتز و80 سنتيمترا وهو عبارة عن شبابيك عرض كل واحد منهم 75 سنتيمترا . وارتفاعه مترا و70 سنتيمترا . ويغطي الحرم كله قبة شاهقة مغشاة من أسفلها الى أعلاها بالهذب الابريز . وفي محيطها من الاسفل 12 شباكا عرض كل شباك مترا واحد من الداخل ونصف متر من الخارج ، ويبلغ ارتفاع القبة من أسفلها أي من سطح الحرم الى أعلاها قرابة 15 مترا . وفي هذا الجامع ثلاث مآذن كبيرة يناطحن السحاب بارتفاعهن صعدا في الهواء .
اثنان منها مطيعان بالذهب الوهاج . وهما حول الحرم . والثالثة
وصفوة القول ان الكاتب مهما اوتى من البلاغة والفصاحة والاجادة في الوصف لا يمكنه ان يصف كل ما في هذا المسجد الضخم من الابنية والتزيينات وانما كتبناه ليس الا ذرة من جبل أو نقطة من بحر زاخر .
مع ما كان يتخلل وطئة ضغط المراقبة على الحسين (ع) في آماد قصيرة منذ أن اتصل به الحر في ( ذى حسم ) بعض فتور .
كان بطبيعة الحال الاتصال غيرمسموح به خاصة عندما أصبحت كربلاء منطقة حربالى أن ارتحل ابن سعد منها مع الجند قافلاً إلى الكوفة وأخلى ساحة الموقف ، قصدن نساء من بني أسد أهل الغاضرية للوقوف على جلية الأمر لقرب جوارهم فاشرفوا ( على ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، أجساد مجردة وثياب مرملة ، وخدود معفرة تصرهم الشمس ، وتسفي عليهم الرياح ، زوارهم العقبان والرخم ) (2) .
فلم يتمالكن النسوة أنفسهن لروعته بل ولين الادبار متقهقرات وقد أخذ التأثر منهن كل مأخذ ، فأخذن في تقريع الرجال من غير وعي ولا رشد بأشد لهجة وأقسى عتاب ، لتوانيهم وقعودهم عن موارات تلك الجثث والاشاء الطاهرة . ففعل حديثهن فعل السحر في نفوس الرجال ، واثار الحفائظ والهب الشيم . فنهضوا نهضة الرجال الواحد اجابة لدعوة الصاخبة
واقتصروا بني أسد في حومة الحائر على ثلاث حفر ، للحسين (ع) وعلى الاكبر وللشهداء من بني هاشم وحفرة لبقية الشهداء من الانصار . واستحال عليهم نقل جثمان الحسين (ع) دفعة واحدة من محل مقتله الى حفرته اذ كان مقطع اربا اربا ، ووضعوه فوق حصير بورياء ورفعوا أطرافه .
تحرى محمد بن الحسين الاشناني لقبر الحسين (ع) ووضع حوله علامات ، وبعد قتل المتوكل حضر مع بعض الطالبيين والشيعة فاخرجوا وأعادوا علم حفرته الطاهرة دون بقية الحفر فطمست أعلامهم ، وذكر المفيد محمد بن محمد بن نعمان في الارشاد عند انصرام القرن الرابع ومستهل الخامس ، أصحاب الحسين الذين قتلوا معه فانهم دفنوا حوله ولسنا نحصل لهم أجداثا على التحقيق (4) والتفصيل الا انا لا نشك ان الحائر محيط بهم . وصرح في محلين آخرين : ( وانهم كلهم مدفونون قرب الحسين في مشهده ، حفروا لهم حفرة وأكثر وألقوا فيها جميعا وسوي عليهم ) . ولغاية الاختبار الذي قمت به عند تجديد تبليط الروضة الزاكية أحطت بموضع حفرتهم يتصل بالقسم الشرقي من الشبكة المباركة بغير ما انفصال ولسماء حفرتهم أزج (5)رومي قي ستة أمتار بعرض مترين . ولا بد من أن تكون حفرة الهاشميين داخل الشبكة المنسوبة لعلي بن الحسين (ع) ، فيما بين أجداث الشهداء والجدث الاقدس الحسيني .
كان نبث علم الذي علموا به جدث المصطفى ( صلعم ) برواية ابن سعد في الطبقات عن الامام جعفر بن محمد عن أبيه كان وجه الأرض شبرا ،
ولم تجر العادة آنذاك باتخاذ أبنية ( أضرحة ) على الأجداث الا المصطفى صلى الله عليه لدفنه في حجرته الطاهرة الذي أقامه بنفسه صلى الله عليه وآله حال حياته لا يوائه (7) .
بطبيعة الحال كان مظللا فاعتزله السيدة عائشة الى ما يجاوره وفضلا عما كان يحيط بني أسد . ولورود لفظ الجميع من الممكن أن شاركوهم أهل قرية نينوى ، وكلاهما تقريبا يتساويان في البعد عن الحائر الاقدس . ولهذا العلم الذي رفعوه على الاجداث الطاهرة ، وعندئذ أشار السجاد في خبر زائدة .
مع ما كان من المقتضي لدفع الشبهات عن أنفسهم أن يساووا وجه الاجداث لعد الدفن من غير ما أي علامة بارزة ابقاء على حياتهم . الا أن استبسالهم على سبل تضحية بعثهم على أن يعلموا علما ولتماسك تسوية العلم كان المصطفى صلى الله عليه أمر لجدث ولده ابراهيم من مارية القبطية بقربة ماء ، أتاه به أحد الانصار (8) رش العلم وكذلك رش على علم جدثه الأقدس صلى الله عليه بعد دفنه (9)فلا بد من أن بني أسد آخر عمل قاموا به بعد دفن الاشلاء أن رشوا أعلام الحفر بما عند انصرافهم لتتماسك التربة ، وكان ذلك خاتمة عملهم في كل ما قاموا به .