كربلاء في القرن الرابع عشر

وقعة الزهاوي للعجم :


وبعد وقوع الصلح بين الأهالي والحكومة العثمانية قررت الحكومة فرض غرامة على البلدة . وهي ان تدفع الكسبة عن كل دكان في كل شهر ـ ما يساوي (12) آنه الى مدة محدودة من السنين وبعد انتهاء المدة استمرت الحكومة على استيفاء تلك الضريبة ، فامتنع الكسبة واكثرهم ايرانيون عن الدفع . وقد رفعوا شكوى فلم تسمع لهم شكاية . فالتجأوا الى التحصن بالسفارة الانكليزية التي في كربلاء . ونصبوا الحيام حولها واستظلوا بها . وكلما نصحتهم الحكومة والعلماء والاشراف لم يقبلوا فصممت الحكومة على تفريقهم بالقوة وكان المتصرف يومئذ رشيد الزهاوي . وفي ليلة من اخريات شهر رمضان سنة 1324 أخطرهم أول الليل فلم يتفرقوا وبينما هم نائمون في خسامهم أمر الزهاوي الشرطة أن يضربوهم بالرصاص قبل الفجر ، فضربوهم ، واصيب من الايرانيين حوالي


( 48 )

الخمسين شخصا بين قتيل وجيح . وانهزم الباقون . فهجم العسكر على خيامهم وانتهب ما فيها .

حادثة حمزة بك :

وفي سنة 1333 ليلة النصف من شعبان ، وكانت كربلاء غاصة بالزوار الواردين من الاطراف للزيارة ، ثار أهالي كربلاء في وجه الحكومة أيام اشتغالها بالحرب على العامة . بعد شدة ضغط الحكومة على أهالي كربلاء والنجف فهجموا على السجن واخرجوا المسجونين وانتهبوا دوائر الحكومة وبيوتهم ففر المأمورون والموظفون أجمع . فجاء المتصرف حمزه بك مع قوة ودخل البلد من جانبها الشرقي وتحصنوا في بعض الخانات والبيوت الحصينة . وصار الطرف الغربي بيد الأهالي ولم تزل الحرب قائمة بين الطرفين عدة أيام . وقتل من الجانبين خلق كثير وانتهت المعركة بعد قتل ذريع وخراب اكثر البيوت والمنازل بهزيمة العسكر . وانتهاب الاهالي اسلحتهم وذخائرهم . وبقيت البلدة بيد الأهالي الى أن احتلها الانكليز .

ثورة العشرين :

وفي سنة 1920 م ثارت البلاد بثورتها الدامية المعروفة نخاصة جهة الفرات فيها ، كان أول ما اندلع لسان الثورة من كربلاء وذلك لأمرين : (1) وجود آية الله الشيرازي قطب الوطنية الصادقة في كربلاء (2) زيارة نصف شهرشعبان ، وهي الزيارة الوحيدة التي يجتمع فيها سائر المسلمين والقبائل . وكان قد عين في أيام الثورة السيد محسن أبو طبيخ متصرفا في شئون اللواء وما يتبعه وقد انعقدت في كربلاء عدة مؤتمرات هامة في هذا الشأن لاجل السعي وراء صالح البلاد العراقية نخص بالذكر منها المؤتمر الكبير الذي انعقد في 9 شعبان سنة 1340 وذلك بمناسبة تجاوز ( الأخوان ) على حدود العراق فدعى الامام الخالصي رؤساء القبائل القاطنة على ضفاف دجلة والفرات وديالى الى حضور المؤتمر في كربلاء . وكان انعقاد المؤتمر


( 49 )

المذكور في دار آية الله الشيرازي المتقدم الذكر . فكان الحيث المهم بينهم في صالح البلاد . وعلى كل حال فكربلاء هي المدينة المهمة التي لها أصل وأساس متين في شؤون البلاد العراقية ونهضتها أولا وآخرا . والحمد لله على ذلك . ووفق الله رجال الامة الى خدمة بلادهم .

يوم ورود الشعرات النبوية الشريفة الى كربلاء

وكان يوم ورود الشعرات الشريفلة الى كربلاء من الأيام المشهورة اذ هرع الاهلين رجالا ونساء حتى الاطفال للاستقبال واحتفلوا به أشد واعظم احتفال ، لم يشاهد مثله حتى اوصلوه الى الحفرة الشريفة ووضعوه في محله . وقد قال الشعراء في ذلك منهم المرحوم الميرزا محمد حسين . الشهرستاني في ورود الشعرات الشريفة النبوية صلى الله عليه وآله وسلم لتوديعها في الروضة المطهرة الحسينية . وكان حاملها مالي بغداد الحاج حسن رفيق باشا سنة 1310 الف وثلاث مئة وعشرة هجرية :
كربلاء طلت الثريا شرفا وبعلياك السماك اعترفا
منذ غابت فيك اقمار الهدى اورثت في كل قاب اسفا
اظلم الدنيا على ارجائها حيث فيها بر ثم خسفا
بقى الظلمة حتى انكشفت بقدوم الحبر كهف الضعفا
حضرت الوالي بامر من به قام حصن الدين والامر صفا
فخر هذا العصر سلطان السما وهو ذا عبد الحميد ذو الوفا
رفع الله لواء نصره اذ به ايد شرع المصطفى
اشرق الدنيا به مذ قدما مع شمس اورثته الشرفا
كشفت كل دجى كان بها وبمرآها الظلام انكشفا
قيل ماذا النور قلت : ارخوا هاكموا شعرة وجه المصطفى



( 50 )

وله مؤرخا بالفارسية ورود الشعرات الشريفة النبوية (ص) .
بعهد بادشاه عبد الحميد آن اختر درخشان شد بكيتي افتابي تازة ازخاور
هما يون مويه برنور حبيب الله شد ظاهر زنورش بيه توي امد شعاع نير أكبر
بندشان يسته منزلكه اين نور رباني مكر انكس كه بيغمبر از بداو زبغمبر
فرستاد ان شه غازي بسوي كربلا انمو بمراه همايون والي بغداد نيكوفر
بتعظيمش خلائق جمله استقبال كردندي بشد بر قلب شكاك منافق مويه جن خنجر
كجا شك ميتوان كردن دراين مطلب كه اثباتش هو يدا كردد ان تاريخ سالش مو بيغمبر
1310 هـ
بسي شايشتة باشد بادشاه را بعد از اين احسان براي موي بيغمبر نكيرد زين بلد عسكر



( 51 )

وصف الحائر الحسيني

ان الذي يجلب المسلمين الى كربلاء هو وجود قبر الحسين بن بنت رسول الله (ص) واخيه العباس بن علي (ع) وقبور اصحابه واعوانه الذين استشهدوا معه في واقعة الطف أو يوم عاشوراء سنة 61 هجرية ( أو 650 ميلادية ) . وبذلك أصبحت كربلاء مقدسة الشيعة ومزارهم . فيأتي اليها كل سنة لزيارة التربتين تربة الحسين وتربة العباس عليهما السلام من كل حدب وصوب زرافات زرافات وجماعات جماعات قادمين اليها من ديار قاصية وربوع نائبة ، كديار العجم وربوع الهند وآسيا الوسطى حيث يكثر الشيعيون ولهذا ترى كربلاء لا تخلو من غرباء يعدون بالآلاف للغرض نفسه .
وها نحن نصف للقراء ما في جامع الحسين (ع) من المساجد العجيبة الرائقة البديعة الصنع الفائقة الحسن ومن الابنية الضخمة والتزيينات الفاخرة التي هي من أفخر ما يجود به تقي الشيعة وتدينهم وحبهم لآل البيت مستغنين به عن وصف جامع العباس(1) (ع) لقرب المشابهة بين
____________
(1) ان المؤلف لم يتعرض لتاريخ بناء الصحن العباسي ووصفه . لان تاريخ الصحن العباسي ملازم لتاريخ بناء الحائر في مختلف العصور فان معظم من حظوا بشرف تعمير وزخرفة الحائر الحسيني . قد قاموا بنفس تلك التعميرات في حرم اخيه العباس . فأول بناء اقيم على القبر المطهر هو عمارة عضد الدولة فنا خسروا البويهي . وقد جدد عمارته الشاه طهماسب الصفوي ( قمر بني هاشم ص 126 ) . وقد جاء في رحلة ( ناصر الدين شاه الى كربلاء ص 137 ) ان أمين الدولة صدر الأصفهاني هو الذي شي القبة العالية على الحضرة العباسية وغطاها بالكاشاني النفيس . وفي سنة 1295 أمر فتح علي شاه القاجاري بصنع ضريح من الفضة الخالصة الى مرقد العباس (ع) وبذل لذلك ( 6000 تومان ) من ماله الخاص . وقد تعاون لانجاز الضريح كل من الميرزا هدايت نوري المستوفي والميرزا تقي نوري المستوفي . وقد توفى فتح علي شاه سنة 1250 قبل أن يتم الضريح ( مجلد
( 52 )

الجامعين ان وضعا وان زخرفا ، وهو من أعظم مساجد العراق واتقنها هندسة وصناعة وابدعها حسنا وبهجة .
وهو على شكل مستطيل طوله قرابة سبعين مترا في عرض يقارب (55) مترا وللمسجد (7) أبواب ضخمة جميلة الوضع وعلى كل باب طاق مرتفع بالحجر المعقود بالحجر القاشاني .
وكل باب ينتهي بك الى حي من أحياء المدينة . وفناء المسجد كله فضاء واسع فسيح الارجاء مفروشة أرضه بالرخام الابيض الناصع وكذلك جدرانه . فان وجه أسفله منشئ بالرخام الى طول مترين وما فوق مبني بالقاشاني الجميل القطع والنحت . ويحيط بفناء الصحن جدار يحصنه قد اقيم عليه كلفتان .
وفي الطبقة السفلى قرابة (65) غرفة جملية أمام كل غرفة ايوان ذو سقف معقود بالقاشاني .
وفي وسط فناء الصحن الروضة المقدسة وهو من اعجب المباني واتقنها وابدعها شكلا واوفرها حظا بالمحاسن .
أخذت من كل بديعة بطرف يدخل اليها من عدة أبواب لا مجال لذكرها . واشهر أبوابها باب القبلة ويطلق لفظ باب القبلة على باب الصحن الشريف ، اما باب الروضة يطلق عليها باب ايوان الذهب . وهو من الفضة الفنية الصياغة وفي جوانبه سهوات محكمة البناء بديعة الشكل على هيئة التجاريب مرصعة بقطع من المرايا تأخذ بمجامع القلوب .
امامه صفه مفروشة أرضها بالرخام ، وكذلك جدارها الادنى فانه
____________
القاجارية من ناسخ التواريخ ص 275 ) . وقد اكمل الضريح ونصبه في محله على الروضة المطهرة خلفه محمد شاه والد ناصر الدين شاه ( نفس المصدر ص 480 ) . لزيادة التفصيل راجع ( قمر بني هاشم ص 126 ) . ( عادل ) .
( 53 )

مؤزر بالرخام الى مترين ، رصع كله بالزجاج ترصيعا هندسيا يقل نظيره . وسقف هذه الصفه قائم على دعائم محكمة من الساج . وهذا الباب ينتهي من الداخل الى رواق يحيط بالحرم ( الروضة ) من جميع جهاتها وعن يسارك تجد قبر حبيب بن مظاهر الاسدي وعليه مشبك من الشبه . فتدخل باستقامه الى باب آخر من الفضة الناصعة العجيبة الصياغة الى مقام محكم الصنع عظيم يأخذ بتلابيب الافهام وتدهشك الزخارف البديعة والمرايا المتلألئة وهو الروضة أو الحرم الذي يضم قبر الحسين (ع) وطوله (10) أمتار و40 سنتيمترا وعرضه (9) م و 15 سنتيمترا وفي داخله أنواع التزاويق .
لم أعرف في أي تاريخ كان قدوم هذا الكاتب (2) الذي وصف ما شاهده اذ ليس الأمر اليوم كما ذكر . وذلك منشأ بالذهب الوهاج فهي تتلألأ نورا وتلمع لمعان البرق يحار بصر متأملها في محاسنها ، ويقصر لسان رائيها عن تمثيلها .
ومام زادها بهجة وزخرفة وجود الجواهر النفيسة وقناديل الذهب والفضة وغيرذلك من المعلقات الغالية الثمن على القبر الشريف التي أهداها اليه ملوك الفرس وسلاطين الهند في عصور مختلفة ما يعجز قلم البليغ من وصفها والاحاطة بكل ما هنالك من نفائس المجوهرات ونوادر الآثار .
____________
(2) لعله عباس المدني صاحب نزهة الجليس ومنية الاديب الانيس . وكان قدومه الى عام 1131 هجرية راجع ج 1 ص 94 وما بعدها يقول في وصف الحضرة الحسينية واما ضريح سيدي الحسين ، وفيه جملة قناديل من الورق المرصع ، والعين ما يبهت العين . ومن أنواع الجواهر الثمينة ما يساوي خراج مدينة . واغلب ذلك من ملوك العجم وعلى رأسه الشريف قنديل من الذهب الاحمر يبلغ وزنه منين بل أكثر .
وقد عقد عليه قبة رفيعة السماك متصلة بالافلاك . وبنائها عجيب ، صنعة حكيم لبيب .

( 54 )

وفي وسط الحرم الشبكة المباركة وداخلها رمم الامام والتدوين يشاهد من وراء مشبك من الفضة الناصعة وهو ذو أربعة أركان وفي جانب الطول 5 شبابيك وفي العرض 4 شبابيك . وعرض كل شباك 80 سنتيمترا ، ويتفرع من وسط الجانب الشرقي منه مشبك صغير من الفضة أيضا على ضريح ابنه علي الاكبر الذي قتل معه وهو غير علي زين العابدين (ع) الذي قيد مع الاسرى الى الشام ـ وطول مشبك الحسين (ع) 5 أمتار ونصف متر عرضه 4 أمتار ونصف مترا وارتفاعه 3 أمتار ونصف مترا . وفي أعلى مشبك الحسين 16 آنية مستطيلة الشكل مطلاة بالذهب الابريز وفي كل ركن من المشبكين رمانة من الذهب يبلغ طولها قرابة نصف مترا وسماء ذلك الحرم مغشاة بقطع من المرايا تأخذ بمجامع القلوب على شكل لا يتمكن من ان يصفه واصف .
وفي الزواية الجنوبية من الحرم قبر الشهداء (ع) وهم ملحدون في ضريح واحد وهذا الضريح وضع علامة لمكان قبورهم وهم في التربة التي فيها قبر الحسين (ع) .
وجه تلك الزواية مشبك من الفضة الناصعة طوله أربعة أمتز و80 سنتيمترا وهو عبارة عن شبابيك عرض كل واحد منهم 75 سنتيمترا . وارتفاعه مترا و70 سنتيمترا . ويغطي الحرم كله قبة شاهقة مغشاة من أسفلها الى أعلاها بالهذب الابريز . وفي محيطها من الاسفل 12 شباكا عرض كل شباك مترا واحد من الداخل ونصف متر من الخارج ، ويبلغ ارتفاع القبة من أسفلها أي من سطح الحرم الى أعلاها قرابة 15 مترا . وفي هذا الجامع ثلاث مآذن كبيرة يناطحن السحاب بارتفاعهن صعدا في الهواء .
اثنان منها مطيعان بالذهب الوهاج . وهما حول الحرم . والثالثة


( 55 )

مبنية بالقاشاني ، وهي ملتصقة بالسور الخارجي من الجانب الشرقي (3) وهناك أيضا ساعة كبيرة مبنية على برج شاهق يراها الرائي من كل مكان قصي .
وصفوة القول ان الكاتب مهما اوتى من البلاغة والفصاحة والاجادة في الوصف لا يمكنه ان يصف كل ما في هذا المسجد الضخم من الابنية والتزيينات وانما كتبناه ليس الا ذرة من جبل أو نقطة من بحر زاخر .
____________
(3) وهي المأذنة المعروفة بمنارة العبد نسبة الى بانيها مرجان ألجياتي سنة 767 . وفي عام 982 رممت وارخ ذلك بكلمة انكشتيار ـ أي خضر المحب ـ ( كلشن خلفاء لنظمي زاه . ص 103 وجه . مخطوط في خزانة المؤلف ) . وفي سنة 1357 هجرية حصل فيها تصدع فأوفدت الحكومة آنذاك اقدر المهندسين وكشفوا عليها . فبان بهم ميلانها جهة الغرب ، حيث كانت خطره على الحرم الشريف والقبة . وبعد المداولة بين المهندسين . فرؤ ان لا مناص من هدمها حفظا للقبة الشريفة ، وعليه فهدمت . ( عادل )
( 56 )

دفن بني اسد للجثث الطاهرة

( قد اخذ الله ميثاق اناس من هذه الامة ، لا تعرفهم فراعنة الارض هم معروفون من أهل السموات انهم يجمعون هذه الاعضاء المتفرقة وهذه الجسوم المضرجة فيوارونها وينصبون لهذا الطف علما لقبر سيد الشهداء ، لا يدرس أثره ولا يعفوا رسمه على كرور الليالي والايام ) . علي بن الحسين (ع) (1)
مع ما كان يتخلل وطئة ضغط المراقبة على الحسين (ع) في آماد قصيرة منذ أن اتصل به الحر في ( ذى حسم ) بعض فتور .
كان بطبيعة الحال الاتصال غيرمسموح به خاصة عندما أصبحت كربلاء منطقة حربالى أن ارتحل ابن سعد منها مع الجند قافلاً إلى الكوفة وأخلى ساحة الموقف ، قصدن نساء من بني أسد أهل الغاضرية للوقوف على جلية الأمر لقرب جوارهم فاشرفوا ( على ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ، أجساد مجردة وثياب مرملة ، وخدود معفرة تصرهم الشمس ، وتسفي عليهم الرياح ، زوارهم العقبان والرخم ) (2) .
فلم يتمالكن النسوة أنفسهن لروعته بل ولين الادبار متقهقرات وقد أخذ التأثر منهن كل مأخذ ، فأخذن في تقريع الرجال من غير وعي ولا رشد بأشد لهجة وأقسى عتاب ، لتوانيهم وقعودهم عن موارات تلك الجثث والاشاء الطاهرة . ففعل حديثهن فعل السحر في نفوس الرجال ، واثار الحفائظ والهب الشيم . فنهضوا نهضة الرجال الواحد اجابة لدعوة الصاخبة
____________
(1) كامل الزيارة لابن قولويه .
(2) الطبري ص 641 ورود فيه : ودفن الحسين وأصحابه أهل الغاضرية من بني أسد بعد ما قتلوا بيوم .

( 57 )

على سبيل التضحية والانتحار مستبسلين غير هيابين ولا وجلين من سلطان بني امية وشديد بطشها . فتسربلوا بسواد الليل لئلا يفتضح امرهم باذلين قصارى جهدهم في انجاز مهمتهم باختصار وسرعة متناهية من غير غسل ولا كفن ، ويحق لنا أن نتساءل هنا ، أفهل كان البعث عن عدم واملاق ام لغاية الاسراع وجلا أم نزولا عند حكم الشريعة مع كل من قتل في سبيل الدين مع غلواء الدعاية القائمة على بذل الاموال ( كما اعرب عن ذلك مجمع بن عبد الله للحسين باعتبارهم خوارج امتنعوا عن بيعة الامام وخليفة المسلمين ( أمير المؤمنين ) يزيد . وهذا عمر بن الحجاج الزبيدي يخاطب الجند برفع صوته ( الزموا طاعتكم ولا ترتابوا في قتل من مرق من الدين وخالف الامام ) . وقد استمرت هذه الدعاية حتى بعد سقوط الامويين بعدة قرون . يقول ابن خلدون في المقدمة (3) عن القاضي أبوبكر ابن العربي المالكي ما معناه ان الحسين قتل بشرع جده .
واقتصروا بني أسد في حومة الحائر على ثلاث حفر ، للحسين (ع) وعلى الاكبر وللشهداء من بني هاشم وحفرة لبقية الشهداء من الانصار . واستحال عليهم نقل جثمان الحسين (ع) دفعة واحدة من محل مقتله الى حفرته اذ كان مقطع اربا اربا ، ووضعوه فوق حصير بورياء ورفعوا أطرافه .
____________
(3) المقدمة ص 417 طبعة القاهرة . وقد انتقد ابن خلدون انتقادا شديدا هذا الزعم وفنده بحجج قاهرة . ويدعم ابن العربي رأيه هذا ـ في كتابه العواصم من القواصم ص 232 ـ ان النبي قال في حديث له ( انه ستكون هنات وهنات فمن اراد ان يفرق امر هذه الامة وهي جميع فأضربوه بالسيف كائنا من كان ) . فيرى ابن العربي ان الذين اشتركوا في قتل الحسين انما فعلوا ذلك اطاعة للامر النبوي ويقول الدكتور على الوردي في كتابه ـ منطق ابن خلدون 189 ـ : والغريب من ابن العربي انه في الوقت الذي يشجب فيه خروج الحسين على يزيد تراه يدافع عن اولئك الذين خرجوا على علي بن أبي طالب أثناء خلافته ، فهو يحاول تبرير خروجهم بشتى الوسائل على الرغم من اعترافه قد باليعوا عليا أول الامر .
( 58 )

وكدسوا بقية الاشلاء من غير ما فارق بين ضجيع ، وبعضهم فوق بعض وهالوا عليهم التربة . وقيل أسموا حفرة الشهداء لسعة فتجته بجذوع النخل وعلموا الحفائر بما كان المعهود في مثله وجرت به السنن وأصبح للاسلام به عرف وعادة على غرار ما هو المعمول به اليوم عند البدو .
والعلم بالتحريك لغة علم الثوب من أطراز وهو العلامة وجمعة أعلام مثل سبب وأسباب وعلمت له علامة بالتشديد امارة يعرف بها ، كانت أعلام حفرهم قائمة حتى أمر المتوكل بحرث قبر الحسين .
تحرى محمد بن الحسين الاشناني لقبر الحسين (ع) ووضع حوله علامات ، وبعد قتل المتوكل حضر مع بعض الطالبيين والشيعة فاخرجوا وأعادوا علم حفرته الطاهرة دون بقية الحفر فطمست أعلامهم ، وذكر المفيد محمد بن محمد بن نعمان في الارشاد عند انصرام القرن الرابع ومستهل الخامس ، أصحاب الحسين الذين قتلوا معه فانهم دفنوا حوله ولسنا نحصل لهم أجداثا على التحقيق (4) والتفصيل الا انا لا نشك ان الحائر محيط بهم . وصرح في محلين آخرين : ( وانهم كلهم مدفونون قرب الحسين في مشهده ، حفروا لهم حفرة وأكثر وألقوا فيها جميعا وسوي عليهم ) . ولغاية الاختبار الذي قمت به عند تجديد تبليط الروضة الزاكية أحطت بموضع حفرتهم يتصل بالقسم الشرقي من الشبكة المباركة بغير ما انفصال ولسماء حفرتهم أزج (5)رومي قي ستة أمتار بعرض مترين . ولا بد من أن تكون حفرة الهاشميين داخل الشبكة المنسوبة لعلي بن الحسين (ع) ، فيما بين أجداث الشهداء والجدث الاقدس الحسيني .
كان نبث علم الذي علموا به جدث المصطفى ( صلعم ) برواية ابن سعد في الطبقات عن الامام جعفر بن محمد عن أبيه كان وجه الأرض شبرا ،
____________
(4) الأجداث القبور واحدها جدث .
(5) الازج ـ بالتحريك ـ البيت يبنى طولا .

( 59 )

ووصف القاسم بن محمد انه حصباء حمراء (6) كان لجدث أميرالمؤمنين سلام الله عليه علما جرفه السيل برواية محمد بن خالد عن الامام جعفر ابن محمد بين الذكوات البيض على ما رواه ابن طاوس في الفرحه .
ولم تجر العادة آنذاك باتخاذ أبنية ( أضرحة ) على الأجداث الا المصطفى صلى الله عليه لدفنه في حجرته الطاهرة الذي أقامه بنفسه صلى الله عليه وآله حال حياته لا يوائه (7) .
بطبيعة الحال كان مظللا فاعتزله السيدة عائشة الى ما يجاوره وفضلا عما كان يحيط بني أسد . ولورود لفظ الجميع من الممكن أن شاركوهم أهل قرية نينوى ، وكلاهما تقريبا يتساويان في البعد عن الحائر الاقدس . ولهذا العلم الذي رفعوه على الاجداث الطاهرة ، وعندئذ أشار السجاد في خبر زائدة .
مع ما كان من المقتضي لدفع الشبهات عن أنفسهم أن يساووا وجه الاجداث لعد الدفن من غير ما أي علامة بارزة ابقاء على حياتهم . الا أن استبسالهم على سبل تضحية بعثهم على أن يعلموا علما ولتماسك تسوية العلم كان المصطفى صلى الله عليه أمر لجدث ولده ابراهيم من مارية القبطية بقربة ماء ، أتاه به أحد الانصار (8) رش العلم وكذلك رش على علم جدثه الأقدس صلى الله عليه بعد دفنه (9)فلا بد من أن بني أسد آخر عمل قاموا به بعد دفن الاشلاء أن رشوا أعلام الحفر بما عند انصرافهم لتتماسك التربة ، وكان ذلك خاتمة عملهم في كل ما قاموا به .
____________
(6) الطبقات الكبرى لابن سعد ص 807 ج 4 ط القاهرة سنة 1358 وص 306 ج 2 ط بيروت .
(7) المصدر السابق ص 812 جـ 4 ط القاهرة . وص 292 ج 2 ط بيروت .
(8) الطبقات الكبرى لأبن سعد ج 1 ص 123 ط القاهرة وص 141 ج 1 ط بيروت .
(9) الطبقات الكبرى لابن سعد ص 122 ج 4 ط القاهرة . وص 306 ج 2 ط بيروت .